محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد . يقول تعالى ذكره : صيرت لكم أيها الناس ذلك قياما كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث مما به قوامكم ، علما منه بمنافعكم ومضاركم أنه كذلك يعلم جميع ما في السماوات وما في الأرض مما فيه صلاح عاجلكم وآجلكم ، ولتعلموا أنه بكل شيء عليم ، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم ، وهو محصيها عليكم حتى يجازي المحسن منكم بإحسانه والمسئ منكم بإساءته . القول في تأويل قوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يقول تعالى ذكره : اعلموا أيها الناس أن ربكم الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها ، وهو يحصيها عليكم ليجازيكم بها ، شديد عقابه من عصاه وتمرد علمه على معصيته إياه ، وهو غفور الذنوب من أطاعه وأناب إليه فساتر عليه وتارك فضيحته بها ، رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها . القول في تأويل قوله تعالى : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد ، يقول تعالى ذكره : ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم أيها الناس بإنذاركم عقابنا بين يدي عذاب شديد وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم ، إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا ، ثم إلينا الثواب على الطاعة ، وعلينا العقاب على المعصية . وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ يقول : وغير خفي علينا المطيع منكم القابل رسالتنا العامل بما أمرته بالعمل به من العاصي التارك العمل بما أمرته بالعمل به ؛ لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به لسانه . وَما تَكْتُمُونَ يعني : ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر أو يقين وشك ونفاق . يقول تعالى ذكره : فمن كان كذلك لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور وظواهر أعمال النفوس ، مما في السماوات وما في الأرض . وبيده الثواب والعقاب ، فحقيق أن يتقى وأن يطاع فلا يعصى . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لا يعتدل الرديء والجيد ، والصالح والطالح ، والمطيع والعاصي . وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ يقول : لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم ، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلوا دون أهل معصيته ، وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا . يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : فلا تعجبن من كثرة من يعصى الله فيمهله ولا يعاجله بالعقوبة فإن العقبى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ قال : الخبيث : هم المشركون والطيب : هم المؤمنون . وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالمراد به بعض أتباعه ، يدل على ذلك قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ القول في تأويل قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ يقول تعالى ذكره : واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم ، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث ، فتصيروا منهم . يا أُولِي الْأَلْبابِ يعني بذلك : أهل العقول والحجا ، الذين عقلوا عن الله آياته ، وعرفوا مواقع حججه . لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول : اتقوا الله لتفلحوا : أي كي تنجحوا في طلبتكم ما عنده . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام ، امتحانا له أحيانا ، واستهزاء أحيانا ، فيقول له بعضهم : من أبي ؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته : أين ناقتي ؟ فقال لهم تعالى ذكره : لا تسألوا عن أشياء من ذلك ، كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه حذافة ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ يقول : إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم